القرطبي

78

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر : كأس ، فإذا لم يكن فيه خمر فهو قدح ، كما يقال للخوان إذا كان عليه طعام : مائدة ، فإذا لم يكن عليه طعام لم تقل له مائدة . قال أبو الحسن ابن كيسان : ومنه ظعينة للهودج إذا كان فيه المرأة . وقال الزجاج : " بكأس من معين " أي من خمر تجري كما تجري العيون على وجه الأرض . والمعين : الماء ا لجاري الظاهر . " بيضاء " صفة للكأس . وقيل : للخمر . " لذة للشاربين " قال الحسن : خمر الجنة أشد بياضا من اللبن . " لذة " قال الزجاج : أي ذات لذة فحذف المضاف . وقيل : هو مصدر جعل اسما أي بيضا لذيذة ، يقال شراب لذ ولذيذ ، مثل نبات غض وغضيض . فأما قول القائل ( 1 ) : ولذ كطعم الصرخدي تركته * بأرض العدا من خشية الحدثان فإنه يريد النوم . وقيل : " بيضاء " أي لم يعتصرها الرجال بأقدامهم . " لا فيها غول " أي لا تغتال عقولهم ، ولا يصيبهم منها مرض ولا صداع . " ولا هم عنها ينزفون " أي لا تذهب عقولهم بشربها ، يقال : الخمر غول للحلم ، والحرب غول للنفوس ، أي تذهب بها . وقال : نزف الرجل ينزف فهو منزوف ونزيف إذا سكر . قال امرؤ القيس : وإذا هي تمشي كمشي النزيف * يصرعه بالكثيب البهر ( 2 ) وقال أيضا : نزيف إذا قام لوجه تمايلت * تراشي الفؤاد الرخص ألا تخترا ( 3 ) وقال آخر ( 4 ) : فلثمت فاها آخذا بقرونها * شرب النزيف ببرد ماء الحشرج

--> ( 1 ) هو الراعي . ويروى : ولذ كطعم الصرخدي طرحته * عشية خمس القوم والعين عاشقه والصرخد موضع ينسب إليه الشراب . أراد أنه لما دخل ديار أعدائه لم ينم حذارا لهم . ( 2 ) البهر : الكلال وانقطاع النفس . ( 3 ) الختر : ضعف يأخذ عنه شراب الدواء أو السم . يقول هي سكرى من الشراب ، إذا قامت به لوجه وجدت فتورا في عظامها وكسلا ، فهي تدارى فؤادها وتراشيه ألا يعذبها في مشيها . ( 4 ) هو جميل بن معمر . وقيل البيت : لعمر بن أبي ربيعة . والحشرج نقرة في الجبل يجتمع فيها الماء فيصفو .